الشيخ محمد رشيد رضا

469

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأحزاب أنسب في هذا المقام ، لان ما نزل في قصة زيد وزينب هو أشد ما نزل على النبي ( ص ) متعلقا بشخصه الكريم ، وهو قوله تعالى ( 33 : 37 وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ . وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ) حتى روي عن عائشة وأنس ( رض ) أنهما قالا : لو كتم النبي ( ص ) من القرآن شيئا لكتم هذه الآية . فان قيل : ان اللّه تعالى قد عصم الرسل عليهم السّلام من كتمان شيء مما أمرهم بتبليغه ، ولولا ذلك لبطلت حكمة الرسالة بعدم ثقة الناس بالتبليغ ، فما حكمة التصريح مع هذا بالامر بالتبليغ ، وتأكيده بجعل كتمان بعضه ككتمانه كله ؟ قلت : حكمته بالنسبة إلى الرسول ( ص ) إعلام اللّه تعالى إياه بأن التبليغ حتم لا تخيير فيه ، ولا يجوز كتمانه ولو مؤقتا بتأخير شيء منه عن وقته على سبيل الاجتهاد . إذ كان يجوز لولا هذا النص ان يكون من اجتهاد الرسول تأخير بعض الوحي إلى أن يقوى استعداد الناس لقبوله ، ولا يحملهم سماعه على رده ، وايذاء الرسول لأجله ، - وحكمته بالنسبة إلى الناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص ، فلا يعذروا إذا اختلفوا فيها باختلاف الرأي والفهم أما الأول - فيؤيده تأخير الرسول [ ص ] الاذن لمولاه زيد بن حارثة بتطليق زينب مع علمه بأن اللّه تعالى ما قضى بتزويجها له - وهو يعلم أن طباعهما لا تتفق وانه لا بد ان يضطر إلى طلاقها - الا ليتزوجها النبي [ ص ] بعد الطلاق ، ويبطل بذلك جريمة التبني وما يترتب عليها من الباطل . وكان النبي [ ص ] يخشى أن يقول الناس : تزوج مطلقة ابنه . لأنه تبني زيدا قبل البعثة . ولما لم يؤقت اللّه تعالى وقتا لتطليق زيد لزينب ولتزوج النبي [ ص ] بها ، وافق اجتهاد النبي [ ص ] طبعه البشري والعمل بظاهر الشريعة من كراهة الطلاق ، فكان بناء على هذا يقول لزيد كلما شكا اليه عشرة زينب « أمسك عليك زوجك واتق اللّه » ويخفي في نفسه ما يعلمه من أنه لا بد من طلاق زيد لها وتزوجه هو بها ، ولكنه كان يحب تأخير ذلك . فلو كان في تبليغ الوحي هوادة لجاز في بعض مسائل الوحي مثل هذا التأخير بالاجتهاد . ولأجل هذا الشبه والتناسب بين تنفيذ ما أراد اللّه من ابطال التبني ولوازمه